محمد الغزالي
155
فقه السيرة ( الغزالي )
صنع اليهود واليهود الذين استقرّوا في المدينة وأرباضها هبطوا صحراء الجزيرة فارّين بدينهم من الاضطهاد الصليبي الذي عمل - من قديم - على تنصيرهم أو إفنائهم ؛ ذلك لأنّ رأي اليهود في عيسى وأمه شنيع . والنصارى يعتقدون أنّ اليهود هم قتلة عيسى ، والموعزون بصلبه ! ! . ولا شك أن اليهود شعب نشيط ، وأنهم - حيث حلّوا - يبذلون جهودا مذكورة للسيطرة على زمام التوجيه المالي ، ولا يبالون بأساليب الختل والمكر لبلوغ أهدافهم ، وقد ألفوا أنفسهم قلّة بين أصحاب البلاد ، وخشوا أن يفنوا إذا اشتبكوا معهم في صراع سافر ؛ فاحتالوا حتى زرعوا الضغائن بين الأقرباء ، وما زالوا بها حتى اتت ثمرها المرّ ، فأخذ العرب يأكل بعضهم بعضا في سلسلة متصلة من المعارك التي لا مبرر لها ، على حين قوي اليهود وتكاثروا ، ونمت ثرواتهم ، واستحكمت حصونهم ، وخيف سطوهم . وقبل الهجرة ببضع سنين وقعت بين الأوس والخزرج معركة ( بعاث ) كان النصر فيها للخزرج ، ثم عاد للأوس ، وبلغ من حدة الخصام بين الفريقين أن كليهما فكر في استئصال الاخر وإبادة خضرائه ، لولا أن تدخّل أولو النّهى بالنصح ، أن يبقوا على أنفسهم وإخوانهم ، فجوارهم أفضل من جوار الثعالب يعني اليهود - ! . وهذه الفتن المتلاحقة جعلت أهل المدينة عندما ترامت إليهم أنباء الإسلام يؤملون من ورائه الخير ، من يدري ؟ ! لعلّه يجدّد حياتهم ، فيعيد السلام إلى صفوفهم ، ويهب لهم حياة روحية ترجح بكفتهم على اليهود . . . قال ابن إسحاق : فلما أراد اللّه إظهار دينه ، وإعزاز نبيّه ، وإنجاز موعده له خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار ، فعرض نفسه على قبائل العرب ، كما كان يصنع في كل موسم ، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا